في جنازة حفيدتي
في جنازة حفيدتها.. الجدة سمعت صوت خارج من النعش: “تيتا.. أنا لسه عايشةفي جنازة حفيدتها مريم اللي عندها ست سنين، انحنت الحاجة فاطمة على النعش الأبيض الصغير عشان تودعها آخر وداع.
لكن بدل الصمت…
سمعت صوت واطي، ضعيف، بيترعش.
“تيتا… بالله عليكي، متخلّيش بابا ياخدني تاني.”
الحاجة فاطمة اتجمدت مكانها.
لثواني ما عرفتش إذا كان الصوت طالع فعلًا من جوه النعش… ولا الحزن لعب بعقلها.
كانت الساعة قربت على الحداشر بالليل.
الفيلا الكبيرة بتاعة ابنها كريم على أطراف القاهرة كانت هادية بشكل مخيف. وفي نص الريسبشن كان نعش مريم محاط بالورد الأبيض والشموع والإكليل اللي بعتهم الناس، وكلهم فاكرين إن البنت ماتت بسبب أزمة تنفس مفاجئة.
فوق، كريم ومراته دينا كانوا طلعوا يناموا، وقالوا إنهم مرهقين بعد يومين كاملين من تجهيزات الجنازة اللي هتكون الصبح.
أما الحاجة فاطمة، فما قدرتش تمشي قبل ما تبص على حفيدتها للمرة الأخيرة.
بإيدين بتترعش، رفعت غطا النعش…
وفجأة…
النفس اتحبس في صدرها.
جفون مريم اتحركت.
شفايفها ارتعشت.
وصدرها الصغير طلع منه نفس ضعيف.
كانت لسه عايشة.
وشها كان أصفر، وسخنة جدًا، وشبه فاقدة الوعي.
لكن اللي صدم الحاجة فاطمة أكتر…
إنها لقت قيدين صغيرين متثبتين جوه النعش، ماسكين جسم البنت ومخليينها مش قادرة تتحرك.
همست مريم:
“تيتا… أنا كنت شاطرة… فضلت ساكتة.”
قلب الحاجة فاطمة اتكسر.
حاولت تشيل حفيدتها بسرعة، لكن القيود كانت مقفولة بإحكام.
ساعتها فهمت إن دي مش غلطة.
حد حط مريم جوه النعش وهو عارف إنها لسه عايشة.
وهي بتحاول تسيطر على خوفها، فضلت تدور بإيديها جوه بطانة النعش.
وفجأة لمست حاجة صلبة.
مفتاح صغير مستخبي تحت القماش.
طلعته بسرعة، وفتح القيود، وشالت مريم بين دراعاتها.
وأول ما البنت حضنتها بقوة…
كل الأعذار الغريبة اللي كريم ودينا كانوا بيقولوها خلال الشهور اللي فاتت رجعت في دماغها.
“مريم نايمة.”
“الدكتور مانع الزيارات.”
“بتتوتر لما تشوف حد.”
“لازم تحترمي طريقتنا في التربية.”
كانت فاكرة إن دينا بس زيادة في الخوف على بنتها، وإن كريم بيهرب من المشاكل.
لكن عمرها ما تخيلت إن فيه سر مرعب مستخبي جوه البيت.
أول ما خرجت مريم من النعش، همست بجملة خلت دم الحاجة فاطمة يتجمد.
“بابا قال لو صحيت… هبوظ كل حاجة.”
ركبها كانت هتخونها، لكنها أجبرت نفسها تتحرك.
لفت مريم في الشال الأسود بتاعها، وجريت ناحية أوضة الغسيل.
شنطتها وموبايلها كانوا في الريسبشن، لكنها افتكرت إن فيه تليفون أرضي قديم هناك.
دخلت بسرعة، وقفلت الباب بالمفتاح، واتصلت بالإسعاف والشرطة.
وقالت وهي بتنهج:
“بنت ابني اتقال إنها ماتت… لكنها عايشة. حرارتها عالية، وأعتقد إن حد اداها أدوية. أنا لقيتها جوه النعش.”
قبل ما موظف الطوارئ يرد…
سمعت صوت خطوات فوق.
وبعدين صوت كريم وهو بينادي:
“يا أمي؟”
حضنت مريم أكتر، وبصت على باب الأوضة تتأكد إنه مقفول.
مريم كانت بترتعش.
وهمست:
“متسبيهمش ياخدوني.”
فجأة…
مقبض الباب اتحرك بعنف.
صرخ كريم:
“افتحي الباب! إنتِ مش فاهمة إنتِ بتعملي إيه!”
ردت الحاجة فاطمة بصوت ثابت:
“الشرطة جاية في الطريق.”
سكت البيت كله.
وفجأة صوت دينا قطع الصمت وهي بتصرخ في خوف:
“هي لقت مريم؟! خرجتها من النعش؟!”
كريم حاول يسكتها…
لكن كان فات الأوان.
دينا قالت بانهيار:
“هي ماكانتش المفروض تفوق دلوقتي!”
في اللحظة دي…
الحاجة فاطمة عرفت إن مفيش أي تفسير بريء.
وبعد ثواني، دوّت صفارات الشرطة والإسعاف قدام الفيلا.
ومع أول أضواء العربيات، رفعت مريم راسها من على كتف جدتها، وهمست بصوت ضعيف:
“أنا مش بنام لوحدي يا تيتا… هما بيدوني دوا.”
بعد دقائق، دخلت الشرطة والمسعفين البيت.
واللي لقوه جواه…
من أوراق مزورة، وأدوية مستخبية، وأدلة على خطة متقنة…
كشف الحقيقة المرعبة اللي خلت مريم تتسجل رسميًا على إنها ماتت وهي لسه عايشة.
كريم ودينا كانوا فاكرين إن السر هيتدفن مع الجنازة.
لكنهم كانوا غلطانين.
الجزء التاني هيكشف اللي الشرطة اكتشفته، وليه كانوا مستعجلين على الدفنة، وإزاي مفتاح صغير كان سبب في إن الحقيقة ما تندفنش للأبد.ووو
#حكايات_زيزي
وصل كبير المسعفين أولًا، وبعده ضابط الشرطة، ودخلوا أوضة الغسيل بعد ما الحاجة فاطمة فتحت الباب وهي لسه ضامة مريم بين دراعاتها.
أول ما شافوا البنت، اتبدلت ملامحهم.
واحد من المسعفين قال بسرعة:
“دي عايشة… النبض ضعيف، لكن موجود.”
حطوها على الترولي، وبدأوا يوصلوا لها الأكسجين، بينما ممرضة كانت بتقيس حرارتها، وفجأة بصت لزميلها وقالت بصوت منخفض:
“في آثار حقن قديمة وحديثة في دراعها…”
الحاجة فاطمة سمعت الجملة، وحست إن قلبها هيقف.
في نفس اللحظة، كان كريم واقف في آخر الطرقة، وشه شاحب، لكنه حاول يتماسك.
قال للضابط:
“حضرتك… أكيد في سوء تفاهم. بنتي كانت متوفية، والدكتور أكد ده.”
الضابط بص له بهدوء وسأله:
“اسم الدكتور؟”
اتردد كريم لثواني…
وبعدين قال اسم بسرعة.
الضابط كتب الاسم في نوتته، لكن قبل ما يتكلم…
أحد أفراد الشرطة ناداه من الريسبشن.
“يا فندم… لازم تشوف ده.”
الجميع خرج ناحية الصالة.
فوق الترابيزة اللي كان عليها ملف العزاء، كانت فيه شهادة وفاة مريم.
لكن الضابط لاحظ حاجة غريبة.
تاريخ إصدار الشهادة…
كان قبل الوقت اللي قالوا إن البنت توفت فيه بساعات.
رفع عينه ناحية كريم.
“إزاي شهادة الوفاة طلعت قبل الوفاة؟”
بلع كريم ريقه، وقال:
“أكيد خطأ إداري.”
لكن الضابط ما ردش.
في الوقت نفسه، كان شرطي تاني بيفتش المكان بإذن النيابة اللي صدر بشكل عاجل بعد العثور على الطفلة حية.
فتح درج صغير جنب المكتب…
ولقى مجموعة مفاتيح.
من بينها…
مفتاح مطابق تمامًا للمفتاح الصغير اللي كانت الحاجة فاطمة لقيته جوه النعش.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
دينا بدأت ترتعش، وبصت ناحية كريم كأنها مستنية منه يقول أي حاجة.
لكن كريم فضل ساكت.
وفجأة…
أحد المسعفين خرج من العربية الإسعاف وهو شايل شنطة صغيرة شفافة.
قال للضابط:
“دي كانت تحت البطانية اللي كانت مغطية الطفلة.”
فتح الشنطة…
طلع منها زجاجة دواء من غير ملصق.
وسرنجة لسه فيها آثار سائل.
الحاجة فاطمة افتكرت فورًا كلام مريم:
“هما بيدوني دوا…”
الضابط طلب إرسال الزجاجة فورًا للمعمل الجنائي.
وقبل ما يقفل الشنطة…
لفت انتباهه ظرف بني صغير مخبي في قاعها.
الظرف كان مكتوب عليه بخط واضح:
“لا يُفتح إلا بعد الدفن.”
الضابط بص للحاجة فاطمة، ثم للظرف، وقال:
“محدش هيلمس الظرف دلوقتي… هنفتحه قدام النيابة.”
لكن قبل ما يحطه في الحرز…
خرج من داخل الظرف صوت خفيف جدًا…
كأنه فيه قطعة إلكترونية صغيرة اتحركت بمجرد ما اتشال.
الضابط عقد حاجبيه، وبص للخبير الجنائي اللي كان لسه داخل الفيلا.
وقال بحزم:
“هاتوا جهاز فحص… الظرف ده ممكن يكون مخبي أكتر من مجرد ورق.”
وفي نفس اللحظة…
فتحت مريم عينيها بصعوبة من داخل سيارة الإسعاف، وبصت ناحية جدتها وهمست بكلمتين فقط…
خلّوا الحاجة فاطمة تحس إن الكابوس الحقيقي… لسه ما بدأش.الحاجة فاطمة جريت ناحية عربية الإسعاف قبل ما تتحرك.
مسكت إيد مريم برقة، وقالت وهي بتحاول تمنع دموعها:
“أنا معاكي يا حبيبتي… محدش هيقدر يقربلك تاني.”
مريم فتحت عينيها بصعوبة.
كانت مرعوبة أكتر من إنها تعبانة.
بصت حواليها كأنها بتتأكد إن حد معين مش موجود.
وبعدين همست:
“الشنطة… تحت السرير.”
المسعفة قربت منها.
“شنطة إيه يا حبيبتي؟”
لكن مريم هزت راسها بخوف.
“مش هقول… بابا هيزعل.”
الجملة دي خلت الضابط يطلب من قوة تانية تطلع تفتش أوضة مريم بالكامل.
…
بعد أقل من عشر دقائق…
كان أحد رجال المباحث بينادي من الدور التاني:
“يا فندم… تعالى شوف.”
طلع الضابط بسرعة.
أوضة مريم كانت مرتبة بشكل مبالغ فيه.
سريرها متغطي بملاية جديدة، ولعبها مرصوصة كأن محدش لمسها من أيام.
لكن أول ما رفعوا المرتبة…
لقوا شنطة قماش وردية صغيرة، مقفولة بسوستة.
الحاجة الغريبة…
إن عليها اسم مريم بخط طفولي.
فتح الضابط الشنطة بحذر.
في البداية لقوا رسومات أطفال عادية.
بيت.
شمس.
شجرة.
وبنت ماسكة إيد جدتها.
لكن مع آخر الرسومات…
اتغير كل شيء.
كانت فيه رسمة لنعش أبيض.
وجواه بنت صغيرة.
وبرة النعش راجل وست واقفين بيبتسموا.
وفوقهم مكتوب بخط متكسر:
“أنا كنت صاحيه.”
ساد الصمت.
حتى رجال الشرطة اتبادلوا النظرات.
الضابط قلب الرسمة اللي بعدها…
فلقى ورقة مطوية.
فتحها ببطء.
كانت عبارة عن أيام مكتوبة بالأرقام.
جنب كل يوم…
علامة صح.
وفي آخر يوم مكتوب:
“الجمعة… أنام نوم طويل.”
الضابط حس إن فيه حاجة ناقصة.
مين اللي خلا طفلة عندها ست سنين تكتب الكلام ده؟
وفي قاع الشنطة…
كان فيه جهاز تسجيل صوتي صغير جدًا.
قديم… لكنه شغال.
ضغط الخبير الجنائي على زر التشغيل.
خرج صوت مريم وهي بتضحك في البداية…
وبعدين ساد صمت لثواني.
وفجأة…
طلع صوت راجل.
واضح جدًا.
“لو سألِك حد… قولي إنك تعبانة.”
وبعدين صوت ست:
“ولو صحيتي… هنديكي الدوا تاني.”
الحاجة فاطمة غمضت عينيها من الصدمة.
لكن المفاجأة الأكبر…
إن الصوتين ماكانوش واضحين بالكامل.
كان فيه شخص ثالث في الخلفية…
بيتكلم في التليفون.
وقال جملة واحدة فقط:
“اتأكدوا إن شهادة الوفاة هتوصل قبل الفجر… والباقي أنا هخلصه.”
الضابط وقف التسجيل فورًا.
وبص لزميله وقال:
“دلوقتي الق\ضية أكبر بكتير من محاولة قتل.”
وفي نفس اللحظة…
رن هاتف كريم، اللي كان متحفظ عليه.
ظهر على الشاشة اسم غريب:
“المحاسب.”
الجميع بص للشاشة في صمت…
لكن قبل ما الضابط يرد على المكالمة…
وصلت رسالة جديدة على نفس الهاتف.
مكونة من أربع كلمات فقط:
“خلصتوا من البنت؟”
وساد صمت ثقيل…
لأن الرسالة دي أكدت إن فيه شخص بره الفيلا… لسه ميعرفش إن مريم عايشة.الضابط بص للرسالة للحظات، ثم رفع عينه ناحية كريم.
كان وش كريم فقد كل لونه.
قال الضابط بهدوء:
“مين (المحاسب)؟”
كريم بلع ريقه، لكنه ما ردش.
في اللحظة دي، مد الضابط إيده وقفل إشعارات الموبايل، وسلمه لخبير الأدلة الرقمية.
“أي رسالة أو مكالمة من دلوقتي هتتبع رسمي.”
…
في المستشفى، كانت مريم بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا.
الدكتورة طلبت خروج أي حد من الأوضة، لكن الحاجة فاطمة ترجتها:
“سيبيني دقيقة واحدة… يمكن تقول حاجة.”
وافقت الدكتورة.
قعدت الجدة جنب السرير، ومسكت إيد حفيدتها.
“يا حبيبتي… محدش هيزعقلك. قوليلي الحقيقة.”
مريم فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت:
“كانوا بيقولولي إن دي لعبة.”
“لعبة إيه؟”
“كل يوم أشرب العصير… وأنام.”
“وبعدين؟”
“أصحى ألاقي اليوم خلص.”
الحاجة فاطمة حست بقشعريرة.
“مين كان بيديكي العصير؟”
مريم نزلت بعينيها للأرض.
“بابا… ساعات… وماما ساعات.”
…
في نفس الوقت، كان فريق المباحث بيفتش مكتب كريم.
كل الملفات كانت مرتبة بطريقة غريبة.
لكن أحد الضباط لاحظ إن فيه رف كتب أثقل من الطبيعي.
شده لقدام…
فتح باب سري صغير.
وراه كانت خزنة إلكترونية.
استدعوا خبير الأدلة.
وبعد دقائق، قدر يفتحها.
الجميع توقع يلاقوا فلوس أو مجوهرات.
لكن اللي كان جواها كان أغرب.
ملفات بأسماء أطفال.
كل ملف عليه صورة.
وتاريخ.
وملاحظات مكتوبة بخط منظم.
لكن ملف واحد كان ناقص.
مكانه فاضي.
وتحت المكان الفاضي مكتوب:
“مريم كريم السيوفي.”
الضابط حس إن الموضوع أخطر بكتير مما كانوا متخيلين.
وقبل ما يقلب باقي الملفات…
دخل عسكري يجري.
“يا فندم… في راجل بره بيقول لازم يقابل حضرتك فورًا.”
“مين؟”
“بيقول اسمه الدكتور سامح… وبيقول إنه هو اللي كتب شهادة الوفاة.”
ساد الصمت.
الضابط خرج بسرعة.
الدكتور سامح كان واقف، وشكله مرهق جدًا.
أول ما شاف الضابط قال:
“أنا لازم أتكلم… لأن حياتي بقت في خطر.”
“إيه اللي حصل؟”
الدكتور بص حواليه يتأكد إن محدش بيسمع.
وقرب وقال بصوت منخفض:
“الشهادة اللي باسم مريم… أنا ما كتبتهاش.”
الضابط عقد حاجبيه.
“يعني إيه؟”
الدكتور طلع من جيبه ختمًا طبيًا.
وحطه على الترابيزة.
وقال:
“الختم ده اتسرق مني من أسبوع… والنهارده اكتشفت إن حد استخدمه في استخراج شهادة وفاة مزورة.”
وقبل ما يكمل كلامه…
سمع الجميع صوت انفجار زجاج في الطابق العلوي.
جرى رجال الشرطة ناحية الصوت.
ولما دخلوا المكتب…
لقوا الشباك مكسورًا.
والخزنة… مفتوحة وفارغة.
والملفات اللي كانت بداخلها…
اختفت بالكامل.
أما على الأرض…
فكانت هناك ورقة واحدة فقط، مكتوب عليها بخط كبير:
“اللي عرفته الشرطة… نقطة في بحر.”
يتبع…الضابط انحنى والتقط الورقة بحذر، ثم سلّمها لخبير الأدلة.
قال الخبير وهو يتأملها:
“الحبر لسه طازة… يعني اللي كتبها كان هنا من دقايق.”
أصدر الضابط أوامره فورًا:
“اقفلوا كل مخارج الفيلا… راجعوا كاميرات المراقبة… ومحدش يخرج.”
لكن بعد دقائق، رجع أحد أفراد الشرطة وهو يهز رأسه.
“الكاميرات كلها اتوقفت قبل الحادثة بربع ساعة.”
“اتوقفت إزاي؟”
“حد فصل جهاز التسجيل من مصدر الكهرباء، وبعدين رجعه تاني.”
تنهد الضابط.
واضح إن اللي خطط للموضوع كان عارف البيت كويس.
…
في المستشفى، كانت حالة مريم بدأت تتحسن ببطء.
الدكتورة سمحت للحاجة فاطمة تقعد معاها دقائق قليلة.
مريم كانت ماسكة دبدوب صغير كانت الممرضة جابته لها.
وفجأة سألت:
“تيتا… هما هيعرفوا مكاني؟”
ابتسمت الجدة رغم خوفها.
“لا يا حبيبتي… الشرطة بتحرس المستشفى.”
لكن مريم هزت رأسها.
“هو قال إنه يعرف أي مكان.”
“مين؟”
سكتت البنت.
وبعدين قالت:
“الراجل اللي كان بينادي على بابا بالليل.”
الحاجة فاطمة اتجمدت.
“شفتيه؟”
“مرة واحدة.”
“كان شكله عامل إزاي؟”
مريم حاولت تفتكر.
“كان لابس جاكيت أسود… وكان عنده خاتم كبير عليه رسم أسد.”
…
في نفس الوقت، وصلت المعلومة للضابط.
فأمر بمراجعة كل تسجيلات كاميرات الشوارع المحيطة بالفيلا.
وبعد ساعات من البحث…
ظهر رجل بالفعل.
وجهه مخفي بكاب.
لكنه كان بيلبس جاكيت أسود.
وأول ما مد إيده يفتح بوابة الفيلا…
ظهر الخاتم بوضوح.
أسد ذهبي ضخم.
الضابط طلب تكبير الصورة.
لكن قبل ما الخبير يحفظها…
لاحظ شيئًا آخر.
الرجل ما دخلش من الباب.
البوابة اتفتحت له من الداخل.
يعني…
كان فيه حد في الفيلا مستنيه.
…
رجع الضابط يستجوب كريم مرة تانية.
قال له:
“مين صاحب خاتم الأسد؟”
كريم بص للأرض.
“معرفوش.”
لكن قبل ما يكمل…
دخل أحد الضباط مسرعًا.
“يا فندم… لقينا حاجة في عربية كريم.”
خرج الجميع إلى الجراج.
كانت سيارة كريم متحفظ عليها.
أثناء التفتيش، وجدوا تجويفًا صغيرًا أسفل الكرسي الخلفي.
وبداخله…
هاتف محمول قديم.
من غير شريحة.
لكن بمجرد ما خبير الأدلة شحنه…
اشتغل.
وكانت آخر صورة محفوظة عليه…
صورة لمريم.
وهي نايمة داخل النعش.
الصورة كان وقت التقاطها قبل وصول الجدة بحوالي عشرين دقيقة فقط.
ساد الصمت.
الحاجة فاطمة غطت وشها وهي بتبكي.
أما الضابط…
فقال بهدوء:
“اللي صور الصورة دي… كان متأكد إن مفيش حد هيكتشف الحقيقة.”
لكن قبل أن يبدأوا فحص الهاتف بالكامل…
رن هاتف الضابط نفسه.
نظر إلى الشاشة.
المتصل كان من المستشفى.
رد بسرعة.
جاءه صوت الطبيبة، مرتبكًا:
“حضرة الضابط… لازم تيجي حالًا.”
“في إيه؟”
قالت بصوت مرتعش:
“مريم اختفت من أوضتها… والحارس اللي كان واقف قدام الباب لقيناه فاقد الوعي.”
وانتهى الاتصال… بينما تجمد الجميع في أماكنهم، وأدركوا أن من يقف خلف هذه الأحداث لم يستسلم بعد.انطلق الضابط ومعه قوة كاملة إلى المستشفى، وصفارات سيارات الشرطة تشق الطريق.
كانت الحاجة فاطمة تبكي وهي تردد:
“أقسم بالله ما هسيبها… مش هسيبها.”
وصلوا خلال دقائق.
المستشفى كانت في حالة استنفار.
الممرضات بيجروا في الممرات، وأفراد الأمن بيقفلوا الأبواب.
الحارس اللي كان قدام أوضة مريم كان لسه فاقد الوعي، لكن بعد ما فاق قال بصعوبة:
“ست… لابسة بالطو أبيض… قالت إنها دكتورة… وبعدها مش فاكر حاجة.”
راجعوا كاميرات المستشفى.
ظهرت بالفعل سيدة بطاقم طبي، كمامة ونظارة، تدفع سريرًا عليه طفلة مغطاة ببطانية.
كل شيء كان طبيعيًا…
إلا حاجة واحدة.
لما وصلت للمصعد…
اختفت.
الكاميرا اللي بعد المصعد ما سجلتش خروجها.
ولا أي مصعد تاني سجل وجودها.
الضابط عبس.
“كأنها تبخرت.”
لكن خبير الكاميرات قرب من الشاشة.
وقال:
“استنوا…”
كبر الصورة عدة مرات.
ثم أشار إلى انعكاس زجاج باب المصعد.
“بصوا هنا.”
في الانعكاس ظهر بوضوح…
أن اللي بيدفع السرير ما كانتش ست.
كان راجل متنكر في ملابس طبية.
…
في نفس اللحظة…
كان أحد أفراد البحث الجنائي بيفتش بدروم المستشفى.
سمع صوت خبطات خفيفة.
مرة…
واتنين…
وثلاثة.
تتبع الصوت لحد باب مخزن قديم.
الباب كان مقفول من برة.
فتحوه بسرعة.
وكانت المفاجأة…
مريم كانت جوه.
مربوطة على كرسي متحرك، وفمها متغطي بقطعة قماش.
لكنها كانت واعية.
أول ما شافت الحاجة فاطمة، انفجرت في البكاء.
حضنتها الجدة بقوة.
“خلاص يا حبيبتي… خلاص.”
لكن مريم كانت بتحاول تتكلم.
شالت الممرضة القماش من على فمها.
وأول جملة قالتها كانت:
“هو كان هنا.”
الضابط سألها بسرعة:
“مين؟”
“الراجل اللي معاه خاتم الأسد.”
“شافك؟”
هزت رأسها.
“وقاللي… حتى لو الشرطة خدت بابا وماما… السر مش عندهم.”
الجملة دي خلت الضابط يسكت.
لو كلام الطفلة صحيح…
يبقى كريم ودينا كانوا مجرد جزء من الخطة.
وليسوا أصحابها.
…
وقبل ما يغادروا المخزن…
لفت انتباه أحد الضباط صندوق معدني صغير تحت رف قديم.
فتحوه بحذر.
كان جواه فلاشة إلكترونية سوداء.
مكتوب عليها بقلم أبيض:
“الحقيقة الكاملة.”
الضابط مد إيده ليلتقطها.
لكن قبل ما يوصل لها…
اشتغل هاتف موضوع بجوارها فجأة، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة.
خرج صوت رجل مشوش عبر السماعة:
“لو شغلتوا الفلاشة… أول اسم هتسمعوه هيكون اسم شخص محدش فيكم يتخيل إنه متورط.”
ساد الصمت داخل المخزن.
الضابط نظر إلى الفلاشة… ثم إلى الحاجة فاطمة… ثم قال:
“محدش هيفتحها هنا.”
وأمر بتحريزها ونقلها إلى المعمل الجنائي، بينما ظل سؤال واحد يطارد الجميع:
من هو الاسم الذي يخشى صاحبه أن يُكشف؟
يتبع…في مقر الأدلة الجنائية، وُضعت الفلاشة داخل غرفة فحص معزولة.
الضابط رفض تشغيلها قبل التأكد إنها مش مزروعة ببرنامج يمسح محتواها.
بعد دقائق، خرج الخبير وقال:
“الفلاشة سليمة… لكن فيها ملف واحد بس.”
اسم الملف كان:
“ابدأ من هنا.”
ساد الصمت.
ضغط الضابط على الملف.
ظهرت شاشة سوداء.
وبعد ثوانٍ…
بدأ تسجيل فيديو.
ظهر رجل جالس في مكان مظلم، وملامحه مخفية.
غيّر صوته بجهاز إلكتروني، وقال:
“لو بتشوفوا التسجيل ده… يبقى الخطة فشلت.”
ثم رفع ملفًا بنيًا أمام الكاميرا.
“اللي حصل مع مريم مش البداية… ومش النهاية.”
بدأ الضابط يركز في كل كلمة.
الرجل أكمل:
“كريم ودينا نفذوا اللي اتطلب منهم… لكنهم عمرهم ما عرفوا الحقيقة كاملة.”
الحاجة فاطمة شهقت.
“يعني إيه؟”
الرجل في الفيديو أكمل:
“كان مطلوب منهم يصدقوا إنهم بيحموا بنتهم من خطر… لكن الحقيقة مختلفة.”
وفجأة…
انقطع الفيديو.
ظهرت رسالة على الشاشة:
“أدخل كلمة المرور لاستكمال التسجيل.”
الخبير حاول أكثر من مرة.
لكن بدون فائدة.
قال:
“واضح إن الجزء المهم مش هيفتح غير بكلمة سر.”
…
في نفس الوقت…
كان أحد أفراد المباحث يراجع متعلقات مريم مرة تانية.
الدبدوب الصغير اللي كانت ماسكة فيه شد انتباهه.
لما ضغط عليه…
طلع صوت موسيقي قصير.
استغرب.
فتح الدبدوب بحذر.
ولقى بداخله جيبًا صغيرًا مخيطًا بإحكام.
قص الخياطة.
خرجت منه ورقة مطوية.
كان عليها بخط طفولي:
“رقم لعبة بابا.”
وتحتها…
ستة أرقام.
الضابط ابتسم لأول مرة.
“جربوا الأرقام دي.”
أدخل الخبير الأرقام على الفلاشة.
ثوانٍ…
ثم اشتغل الجزء الثاني من الفيديو.
الرجل المجهول قال:
“دلوقتي هتعرفوا السبب الحقيقي.”
رفع صورة قديمة أمام الكاميرا.
الصورة كانت لكريم وهو شاب صغير…
واقف بجوار رجل مسن.
أما الحاجة فاطمة…
فما إن رأت الصورة حتى شهقت، وتراجعت خطوة للخلف.
“مستحيل…”
الضابط التفت إليها بسرعة.
“حضرتك تعرفيه؟”
نظرت إلى الصورة بعينين مليئتين بالصدمة.
ثم قالت بصوت مرتجف:
“ده… ده الشخص اللي اختفى من أكتر من عشرين سنة… وكلنا افتكرناه مات.”
وقبل أن تكمل حديثها…
انتهى التسجيل مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
ظهر ملف جديد على الشاشة.
اسمه كان:
“إذا عرفتم من أنا… ستفهمون كل شيء.”
وساد الصمت في الغرفة، بينما أدرك الجميع أن الماضي الذي ظنوه انتهى منذ سنوات… عاد ليكشف أسرارًا أخطر مما تخيلوا.الحاجة فاطمة فضلت تبص للصورة وكأنها شافت شبح.
إيديها كانت بتترعش.
الضابط قرب منها بهدوء.
“حضرتك تعرفي الراجل ده منين؟”
بلعت ريقها بصعوبة، وقالت:
“اسمه… حسين.”
“مين حسين؟”
سكتت لحظة، ثم قالت:
“كان شريك أبو كريم… قبل ما أبوه يتوفى بسنة.”
الضابط كتب الاسم بسرعة.
“وبعدين؟”
تنهدت الحاجة فاطمة.
“في يوم اختفى فجأة… وسيب كل حاجة وراه. البوليس وقتها قال إنه سافر، وفي ناس قالت إنه مات في حادث. لكن جوزي الله يرحمه كان دايمًا يقول إن حسين اختفى لأنه عرف سر خطير.”
ساد الصمت.
“إيه السر؟”
هزت رأسها.
“معرفش… وجوزي مات قبل ما يحكيلي.”
…
في نفس الوقت، كان خبير الأدلة الرقمية بيحاول يصلح الجزء الأخير من الفيديو.
فجأة ظهرت ثانيتان محذوفتان من التسجيل.
فيهم صوت الرجل وهو بيقول:
“…المفتاح… في البيت القديم.”
ثم انقطع التسجيل نهائيًا.
الضابط رفع رأسه.
“بيت قديم؟”
الحاجة فاطمة اتسعت عيناها.
“بيت جد كريم!”
“لسه موجود؟”
“أيوه… مقفول من سنين، ومحدش بيدخله.”
…
بعد أقل من ساعة، تحركت قوة من الشرطة إلى البيت القديم.
كان منزلًا مهجورًا في شارع هادئ، والغبار يغطي كل شيء.
فتحوا الباب بصعوبة.
رائحة الرطوبة ملأت المكان.
كل الأثاث كان مغطى بأقمشة بيضاء.
وكأن الزمن وقف هناك.
بدأ رجال الشرطة يفتشون غرفة وراء غرفة.
لكن لم يجدوا شيئًا.
إلى أن وصلوا إلى غرفة المكتب.
الحاجة فاطمة وقفت فجأة.
“استنوا…”
اتجهت نحو مكتبة خشب قديمة.
مررت يدها على أحد الرفوف.
ثم ضغطت على قطعة خشب صغيرة.
صدر صوت خافت.
وتحركت المكتبة ببطء.
خلفها…
ظهر باب حديدي صغير.
نظر الضابط إليها بدهشة.
“حضرتك كنتي عارفة؟”
قالت وهي تحاول تتذكر:
“جوزي مرة قال لي إن البيت فيه مخبأ… لكن عمره ما فتحه قدامي.”
أحضروا حدادًا، وبعد دقائق تمكنوا من فتح الباب.
كانت خلفه غرفة ضيقة.
وفي منتصفها…
صندوق خشبي قديم.
عليه قفل صدئ.
فتحوه بحذر.
لم يكن بداخله ذهب ولا أموال.
بل عشرات الملفات، وصور قديمة، ودفتر أسود سميك.
وفوق الدفتر مباشرة…
مظروف أصفر مكتوب عليه بخط واضح:
“يُفتح فقط إذا تعرضت مريم للخطر.”
نظر الضابط إلى الحاجة فاطمة.
ثم إلى اسم “مريم” المكتوب على المظروف.
وقال في دهشة:
“إزاي حد كتب اسم حفيدتك على ظرف من سنين؟”
لكن الحاجة فاطمة هزت رأسها ببطء.
وقالت بصوت مرتعش:
“المظروف ده… شكله قديم جدًا.”
إذا كان الظرف موجودًا فعلًا منذ سنوات…
فكيف كُتب عليه اسم طفلة لم تكن قد وُلدت بعد؟
ساد الصمت داخل الغرفة…
وأمر الضابط بعدم فتح المظروف حتى يتم تصويره وفحصه ضمن الأدلة، لأن هذا الاكتشاف قد يغيّر اتجاه الق\ضية بالكامل. يتبع…وقف الجميع في الغرفة السرية، والأنظار متعلقة بالمظروف الأصفر.
خبير الأدلة لبس القفازات، وصوّر المظروف من كل الجهات قبل ما يفتحه بحذر.
كان جواه…
رسالة واحدة.
وصورة قديمة.
الحاجة فاطمة أول ما شافت الصورة، شهقت.
الصورة كانت لابنها كريم وهو طفل عنده حوالي سبع سنين.
واقف جنب والده…
وجنبهم نفس الراجل الغامض، حسين.
لكن المفاجأة…
إن فيه طفلة صغيرة واقفة في الصورة، وشبهها لمريم كان مرعب.
كأنها نسخة منها.
الضابط سأل:
“مين البنت دي؟”
الحاجة فاطمة هزت رأسها.
“عمري ما شفتها.”
فتح الضابط الرسالة.
وكان مكتوب فيها:
“إذا وصلتكم الرسالة دي… يبقى حد حاول يستخدم الماضي عشان يكرر نفس الجري\مة من جديد.
متصدقوش أي ورقة رسمية… ولا أي شهادة وفاة… لأن اللي بدأ القصة زمان، عمره ما وقف.”
ثم توقف الضابط عند آخر سطر.
قرأه بصوت عالٍ:
“وابدؤوا البحث… تحت اسم «ليلى».”
ساد صمت ثقيل.
“مين ليلى؟”
ولا حد عرف يجاوب.
…
في نفس اللحظة، كان خبير الأدلة الرقمية بيحاول يفك تشفير الهاتف القديم اللي لقوه في عربية كريم.
وفجأة…
الهاتف اشتغل لوحده.
من غير شريحة.
ومن غير ما حد يلمسه.
وظهر إشعار:
“رسالة جديدة.”
فتحها الخبير بسرعة.
كانت عبارة عن إحداثيات مكان واحد فقط.
من غير أي كلام.
الضابط بص للإحداثيات، وطلب تحديد الموقع.
بعد ثوانٍ، رفع الخبير رأسه وقال:
“المكان… مقبرة قديمة مهجورة على أطراف المدينة.”
الحاجة فاطمة شهقت.
“مقابر؟!”
الضابط قرر يتحرك فورًا.
…
وصلت قوة الشرطة قبل الفجر.
المقبرة كانت مهجورة، والأعشاب الطويلة مغطية معظم الشواهد.
الإحداثيات وقفت عند قبر قديم من غير اسم.
بدأ رجال الشرطة يحفروا بحذر.
بعد دقائق…
ارتطم المجراف بصندوق خشبي.
أخرجوه.
فتحوه ببطء…
لكن الجميع اتجمد مكانه.
الصندوق…
ماكانش فيه ج\ثة.
كان مليان ملفات رسمية، وشهادات ميلاد، وشهادات وفاة، وهويات بأسماء مختلفة.
وكأن حد كان بيصنع هويات جديدة لسنين طويلة.
وفي آخر الصندوق…
كان فيه دفتر صغير.
على أول صفحة منه…
قائمة أسماء.
وأول اسم فيها كان:
“مريم كريم السيوفي.”
لكن قدامه ملاحظة بخط أحمر:
“فشلت العملية.”
أما الاسم اللي بعده…
فلما قرأه الضابط، تغير لون وشه فجأة.
رفع عينه للحاجة فاطمة وقال:
“الاسم ده… لشخص عايش، ومحترم جدًا في المجتمع.”
وأغلق الدفتر فورًا، وهو يدرك أن الق\ضية لم تعد تخص عائلة واحدة فقط، بل ربما تمتد إلى شبكة أكبر بكثير، وأن كشف الاسم التالي قد يقلب كل شيء.الضابط قفل الدفتر بسرعة، ثم سلّمه لخبير الأدلة.
“محدش ينطق باسم اللي مكتوب قبل ما نتأكد من كل حاجة.”
لكن أحد الضباط الشباب كان واقف قريب، ولمح الاسم قبل ما الدفتر يتقفل.
همس في ذهول:
“مستحيل…”
الضابط بص له بحدة.
“ولا كلمة.”
…
رجعت القوة إلى مقر المباحث، واتحطت كل المضبوطات في غرفة الأدلة.
الدفتر، والملفات، والهويات المزورة، والفلاشة… كلها بقت تحت الحراسة.
وفي نفس الوقت…
كانت الحاجة فاطمة قاعدة جنب مريم في المستشفى.
مريم بدأت تسترد قوتها، لكنها كانت لسه بتفزع من أقل صوت.
الجدة سألتها بهدوء:
“يا حبيبتي… فاكرة آخر حاجة حصلت قبل ما تحطي في النعش؟”
مريم غمضت عينيها.
“فاكرة…”
“إيه اللي حصل؟”
“صحيت بالليل… سمعت بابا بيتخانق مع راجل.”
“سمعتي قالوا إيه؟”
هزت رأسها.
“الراجل قال… لو البنت فضلت عايشة، كل الأسرار هتطلع.”
الحاجة فاطمة شهقت.
“وبعدين؟”
“بابا قال… أنا مش عايز أؤذيها.”
ساد الصمت.
لأول مرة…
كان في كلام يوحي إن كريم نفسه كان واقع تحت ضغط من شخص آخر.
…
في تلك اللحظة، دخل الضابط إلى غرفة مريم.
قال للحاجة فاطمة:
“إحنا راجعنا مكالمات كريم.”
“ولقيتوا إيه؟”
“آخر شهر… كان بيتلقى عشرات الاتصالات من رقم مجهول.”
“عرفتوا صاحب الرقم؟”
الضابط تنهد.
“كل مرة كان بيتفتح باسم مختلف… لكن كلها طالعة من نفس الجهاز.”
ثم أخرج صورة مطبوعة.
“وده الشخص اللي اشترى الجهاز.”
الحاجة فاطمة أخذت الصورة.
وبمجرد ما شافتها…
وقعت الصورة من إيديها.
“لا…”
“حضرتك تعرفيه؟”
قالت وهي تبكي:
“ده… محامي جوزي الله يرحمه.”
الضابط اتجمد.
“المحامي؟”
“كان أقرب واحد للعيلة… وكان بيزورنا باستمرار.”
…
بعد ساعات، استصدرت النيابة إذنًا بتفتيش مكتب المحامي.
لكن عندما وصلت الشرطة…
وجدت المكتب مفتوحًا.
كل الأدراج مقلوبة.
وأجهزة الكمبيوتر مكسرة.
وكأن حد سبقهم بدقائق.
وأثناء المعاينة…
لاحظ أحد الضباط إطار صورة معلقًا بشكل مائل.
نزله من الحائط.
فوجد خلفه خزنة صغيرة.
فتحها الخبير.
كانت فارغة…
إلا من ظرف أبيض واحد.
على الظرف مكتوب:
“إذا وصلتم إلى هنا… فقد تأخرتم.”
فتح الضابط الظرف بحذر.
لم يجد بداخله سوى مفتاح نحاسي قديم…
ومكتوب عليه رقم واحد فقط:
17
نظر الضابط إلى المفتاح، ثم قال:
“السؤال مش المفتاح ده بيفتح إيه…”
“السؤال… فين القفل رقم 17؟”
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
جاءه صوت خبير الأدلة وهو يلهث:
“يا فندم… ارجع حالًا!”
“في إيه؟”
“الدفتر الأسود… اختفى من غرفة الأدلة… رغم إن الأختام سليمة، والكاميرات ما سجلتش دخول أي حد.”
ساد الصمت…
لأن هذا كان يعني شيئًا واحدًا فقط:
هناك شخص من داخل المنظومة يعرف كل خطوة، ويسبق الشرطة في كل مرة.
يتبع…وصل الضابط إلى غرفة الأدلة في أقل من عشر دقائق.
الأختام كانت سليمة.
الأقفال سليمة.
وحتى سجل الدخول الإلكتروني أكد إن محدش دخل الغرفة من ساعة ما اتحط الدفتر فيها.
لكن…
الدفتر الأسود اختفى.
وقف الجميع في ذهول.
خبير الأدلة قال وهو بيراجع الكاميرات للمرة العاشرة:
“يا فندم… في حاجة غريبة.”
“إيه هي؟”
“الكاميرا صورت كل حاجة… إلا دقيقة واحدة.”
“يعني إيه؟”
“الدقيقة دي موجودة في التسجيل… لكن الشاشة كلها سودا.”
الضابط عقد حاجبيه.
“بعدها مباشرة الدفتر اختفى.”
…
في الوقت نفسه، كان أحد رجال الشرطة بيفحص المفتاح النحاسي رقم 17.
لفت انتباهه إن على جانب المفتاح حروف صغيرة جدًا محفورة.
بعد تكبيرها بعدسة خاصة، ظهرت كلمة واحدة:
“المحطة.”
الضابط فكر للحظات.
“محطة قطر؟”
هز الخبير رأسه.
“ممكن… أو محطة قديمة لأي حاجة.”
لكن الحاجة فاطمة، اللي كانت قاعدة في المكتب، رفعت رأسها فجأة.
“استنوا…”
كلهم بصوا لها.
“جوزي زمان كان بيقول على المخزن القديم بتاع الشركة اسم «المحطة».”
الضابط وقف بسرعة.
“المخزن ده فين؟”
“اتقفل من أكتر من عشرين سنة.”
…
تحركت قوة الشرطة إلى المخزن.
كان مبنى صناعيًا مهجورًا، أبوابه مغطاة بالصدأ.
وبعد دقائق من البحث…
وجدوا بابًا حديديًا صغيرًا.
وعليه لوحة نحاس مكتوب فيها:
17
نظر الضابط إلى المفتاح.
ثم أدخله في القفل.
دار بسهولة.
وانفتح الباب ببطء.
وراء الباب…
كان فيه ممر طويل، ينتهي بغرفة مضاءة بمصباح واحد فقط.
دخلوا بحذر.
الغرفة كانت شبه فاضية.
إلا من مكتب خشبي.
وفوق المكتب…
كان الدفتر الأسود.
نفس الدفتر.
وكأنه اتحط هناك من ثوانٍ.
لكن بجانبه…
كان جهاز تسجيل شغال.
ضغط الضابط زر الإيقاف.
فخرج صوت الرجل الغامض:
“لو وصلتوا للمكان ده… يبقى أنا كنت متأكد إنكم هتمشوا ورا كل دليل بسيبه.”
ساد الصمت.
الصوت أكمل:
“لكن الدفتر اللي بين إيديكم… مش هو الأصلي.”
الضابط فتح الدفتر بسرعة.
بدأ يقلب صفحاته.
كلها بيضاء.
ماعدا الصفحة الأخيرة.
كان مكتوب فيها بخط واضح:
“الأصل مع ليلى.”
وفي أسفل الصفحة…
صورة صغيرة لقلادة فضية.
مريم، التي كانت قد جاءت مع جدتها بعد إصرارها، بصت للصورة واتسعت عيناها.
وقالت بصوت مرتعش:
“أنا شفت السلسلة دي…”
التفت إليها الجميع.
الضابط انحنى أمامها وسأل بهدوء:
“فين يا مريم؟”
أجابت وهي تشير بإصبعها نحو الصورة:
“كانت في رقبة… الست اللي كانت بتديني الدوا.”
ساد صمت ثقيل في الغرفة…
لأن هذه كانت أول مرة تربط مريم شخصًا جديدًا بالق\ضية، شخصًا لم يظهر اسمه من قبل، وقد يكون هو الخيط الذي سيقودهم إلى الحقيقة الكاملة.
يتبع…انطلقت سيارات الشرطة خلف السيارة السوداء، وصفارات الإنذار مزقت هدوء الشارع.
السائق كان يقود بسرعة جنونية، وكأنه حافظ كل الطرق الجانبية.
قال أحد الضباط عبر اللاسلكي:
“العربية داخلة على الطريق الزراعي!”
رد الضابط:
“اقفلوا كل المخارج… متسمحولوش يهرب.”
لكن بعد مطاردة استمرت أكثر من عشر دقائق…
دخلت السيارة نفقًا قصيرًا.
ولما خرجت سيارات الشرطة من الناحية التانية…
كانت العربية واقفة.
الباب مفتوح.
والمحرك لسه شغال.
لكن…
مافيش حد جواها.
وكأن السائق اختفى في ثوانٍ.
…
بدأ رجال الشرطة يفتشوا المنطقة.
وفجأة نادى أحدهم:
“يا فندم!”
جرى الضابط ناحيته.
كان واقف جنب مخزن قديم.
وعلى الأرض…
آثار أقدام حديثة متجهة للداخل.
دخلوا بحذر.
المكان كان مظلمًا.
وكل خطوة كان صداها بيرجع في المكان.
وفجأة…
سمعوا صوت بكاء خافت.
اتجهوا ناحية الصوت.
لقوا أوضة صغيرة.
الباب كان مقفول بسلسلة.
كسروه بسرعة.
لكن اللي جواه ماكانش ليلى.
كانت سيدة كبيرة في السن، مقيدة على كرسي.
أول ما شافت الشرطة، انفجرت في البكاء.
“الحمد لله… افتكرت إنكم مش هتوصلوا.”
فكوا قيودها بسرعة.
الضابط سألها:
“حضرتك مين؟”
قالت وهي تلهث:
“أنا… ليلى.”
الجميع اتجمد.
“إنتِ ليلى؟”
هزت رأسها.
“أيوه… لكني مش اللي بتدوروا عليها.”
الضابط عقد حاجبيه.
“يعني إيه؟”
قالت:
“فيه واحدة انتحلت اسمي من سنين… وكل الجرائم اللي حصلت كانت بتستخدم هويتي.”
ساد الصمت.
“تعرفي اسمها الحقيقي؟”
أغمضت عينيها للحظة.
ثم قالت:
“اسمها… نادين.”
“فين نادين؟”
“كل مرة بتغير مكانها… لكن فيه حاجة عمرها ما بتسيبها.”
“إيه هي؟”
“ساعة جيب قديمة… ورثتها عن حسين.”
في تلك اللحظة…
رن هاتف الضابط.
كان خبير الأدلة.
“يا فندم… لقينا بصمة على الفلاشة.”
“وبتاعة مين؟”
رد الخبير بعد لحظة صمت:
“البصمة مطابقة… لشخص متوفى رسميًا من خمسة عشر سنة.”
نظر الضابط إلى الحاجة فاطمة، ثم إلى ليلى.
وأدرك أن الق\ضية أصبحت أكثر غموضًا، لأن ظهور بصمة شخص مُسجل كمتوفى يفتح بابًا جديدًا من الأسئلة، وقد يعني أن هناك تزويرًا قديمًا آخر أو أن أحدهم استخدم هوية ذلك الشخص لإخفاء الحقيقة.
يتبع…اتسعت عينا الضابط وهو ينظر إلى مريم.
“متأكدة يا مريم؟”
هزت رأسها بسرعة.
“أيوه… كانت كل ما تيجي البيت تلبس السلسلة دي.”
الحاجة فاطمة عقدت حاجبيها.
“بس عمرنا ما شوفنا ست غريبة تدخل البيت.”
مريم سكتت لحظة، ثم قالت:
“كانت بتيجي لما حضرتك تمشي.”
ساد الصمت.
…
أصدر الضابط أمرًا بمراجعة جميع كاميرات الشارع خلال الأشهر الستة الماضية.
وبعد ساعات من البحث…
ظهر وجه امرأة أكثر من مرة.
كانت تدخل الفيلا في أوقات مختلفة، ولا تبقى أكثر من عشر دقائق.
وفي كل مرة…
كانت تخرج وهي ترتدي قبعة كبيرة ونظارة سوداء.
لكن في إحدى اللقطات…
رفعت يدها لتفتح باب السيارة.
وهنا ظهرت القلادة الفضية بوضوح.
نفس القلادة الموجودة في الصورة.
قال الضابط:
“كبروا الصورة على رقم العربية.”
بعد محاولات طويلة، تمكن الخبير من قراءة جزء من اللوحة.
وباستخدام سجلات المرور، توصلوا إلى سيارة واحدة تطابق المواصفات.
لكن المفاجأة…
السيارة كانت مسجلة باسم سيدة تُدعى ليلى حسين.
الحاجة فاطمة همست:
“ليلى…”
الاسم نفسه المكتوب في الرسالة.
…
تحركت الشرطة فورًا إلى العنوان المسجل.
لكن عندما وصلوا…
وجدوا البيت خاليًا.
لا أثاث.
ولا ملابس.
وكأن أحدًا أخلاه قبل ساعات.
وأثناء التفتيش…
لاحظ أحد الضباط فنجان شاي على الطاولة.
ما زال دافئًا.
قال الخبير:
“يعني اللي كان هنا خرج من وقت قليل جدًا.”
وفجأة…
سمعوا صوت رنين هاتف.
بدأوا يبحثون حتى وجدوا هاتفًا صغيرًا مخبأً داخل درج المطبخ.
لم يكن مقفلًا.
وعلى شاشته رسالة وصلت قبل دقائق:
“انقلي الحاجة للمكان الأخير… الشرطة عرفوا عنوانك.”
الضابط قال بسرعة:
“تتبعوا مصدر الرسالة.”
رد خبير الأدلة:
“بنعمل كده…”
مرت ثوانٍ ثقيلة…
ثم رفع رأسه فجأة.
“الرسالة خرجت من داخل المدينة… لكن اللي أغرب…”
“إيه؟”
“اتفعلت من جهاز موجود على بعد أقل من خمسمائة متر من هنا.”
تبادل رجال الشرطة النظرات.
يعني مرسل الرسالة…
كان قريبًا منهم جدًا.
وفي اللحظة نفسها…
سمع الجميع صوت محرك سيارة ينطلق بسرعة من آخر الشارع.
صرخ الضابط:
“اقفلوا الطريق!”
وانطلقت سيارات الشرطة في مطاردة جديدة، بينما كان السؤال الذي يشغل الجميع:
هل بداخل السيارة ليلى… أم الشخص الذي يدير كل الخيوط من الظل؟
يتبع…الضابط فضل يبص لتقرير البصمات وهو مش مستوعب.
“راجعوا النتيجة مرة تانية.”
رد خبير الأدلة بثقة:
“راجعناها ثلاث مرات… التطابق كامل.”
الحاجة فاطمة سألت بقلق:
“مين الشخص ده؟”
فتح الضابط الملف.
ثم قال ببطء:
“اسمه… حسين منصور.”
شهقت ليلى.
“مستحيل…”
التفت إليها الضابط.
“إنتِ عرفاه؟”
قالت وهي تحاول تسيطر على دموعها:
“ده أخويا.”
ساد الصمت في الغرفة.
وأضافت:
“لكن حسين اتقال إنه مات من خمسة عشر سنة… وأنا حضرت العزاء بنفسي.”
قال الضابط:
“يبقى يا إما شهادة الوفاة كانت مزورة… يا إما حد استخدم بصماته.”
…
في تلك اللحظة، دخل أحد أفراد المباحث مسرعًا.
“يا فندم… فيه اكتشاف جديد في الفيلا.”
تحرك الجميع إلى هناك.
أثناء إعادة تفتيش غرفة كريم، لاحظ عامل الأدلة الجنائية أن أحد ألواح الأرضية الخشبية بيطلع صوت مختلف.
رفعوا اللوح بحذر.
وكان تحته صندوق معدني صغير.
فتحوه.
وجدوا بداخله عشرات الخطابات.
كل خطاب عليه تاريخ.
وأغلبها مرسل إلى كريم.
لكن الغريب…
إن المرسل كان يكتب اسمه بحرف واحد فقط:
“ح.”
فتح الضابط آخر خطاب.
وكان مكتوبًا فيه:
> “لو فكرت تبلغ الشرطة، افتكر إن مريم أول واحدة هتدفع الثمن.”
قبض الضابط على الورقة بقوة.
أما الحاجة فاطمة، فبدأت لأول مرة تشك إن كريم ربما كان يُهدَّد منذ فترة طويلة.
ثم فتح خطابًا أقدم.
كان مكتوبًا فيه:
> “نفذ المطلوب… وإلا هتعرف بنتك الحقيقة.”
الضابط توقف عند الجملة.
“الحقيقة؟”
أي حقيقة كانت مريم ممكن تعرفها وهي طفلة؟
…
وفي أثناء فحص بقية الصندوق…
وجد الخبير ظرفًا صغيرًا مختومًا بالشمع الأحمر.
على الظرف عبارة واحدة:
“لا يُفتح إلا إذا اختفى حسين مرة أخرى.”
وقبل أن يفتحه…
دوّى صوت جهاز اللاسلكي.
“يا فندم… عندنا بلاغ عاجل.”
“خير؟”
“واحد من الجيران قال إنه شاف راجل واقف قدام الفيلا من الفجر… ولما عرضنا عليه الصور…”
“عرف حد؟”
رد الضابط:
“أيوه…”
“قال إن الراجل اللي شافه…”
توقف الشرطي لثانية، ثم أكمل:
“…هو نفس الراجل الموجود في الصورة القديمة مع كريم وهو طفل.”
تبادل الجميع النظرات.
إذا كانت شهادة وفاة حسين مزورة…
وإذا كان الجار رآه بنفس ملامحه تقريبًا…
فربما لم يمت حسين أصلًا.
لكن لماذا ظل مختفيًا كل هذه السنوات؟
وما السر الذي جعله يعود الآن؟
يتبع…في صباح اليوم التالي، وصلت قوة من الشرطة إلى بيت الجار الذي أبلغ عن رؤية حسين.
كان الرجل في السبعين من عمره، وملامحه متوترة.
قال للضابط:
“أنا معرفش اسمه… لكني متأكد إنه نفس الراجل اللي كان بيزور والد كريم من زمان.”
سأله الضابط:
“إمتى شفته؟”
“قبل أذان الفجر بحوالي نص ساعة.”
“كان بيعمل إيه؟”
“واقف يبص على الفيلا… وبعدين حط حاجة صغيرة عند البوابة ومشي.”
تحرك فريق الأدلة إلى البوابة.
وبعد دقائق من البحث…
عثروا على علبة معدنية صغيرة مدفونة بين الزرع.
فتحها خبير المفرقعات أولًا للتأكد إنها آمنة.
لم يكن بداخلها أي شيء خطير.
كان فيها فقط…
مفتاح آخر.
لكن هذه المرة مكتوب عليه الرقم:
18
وبجواره ورقة صغيرة.
كتب عليها بخط واضح:
“اللي يدور على 17… لازم يكمل لـ18.”
نظر الضابط إلى الحاجة فاطمة.
“واضح إن حد بيسيب لنا الطريق خطوة بخطوة.”
…
في الوقت نفسه، كان الطبيب المسؤول عن مريم يدخل غرفتها لإجراء فحص جديد.
لكن ما لفت انتباهه…
أن مريم كانت ترسم.
اقترب منها بهدوء.
“بترسمي إيه يا مريم؟”
ناولته الورقة.
كانت رسمة لبيت كبير.
وفي أسفل البيت…
باب صغير تحت الأرض.
وفوق الباب كتبت بخط طفولي:
“هنا كانوا بيخلوني أستنى.”
وصلت الرسمة إلى الضابط خلال دقائق.
فسألها برفق:
“البيت ده فين يا مريم؟”
أشارت إلى الفيلا.
“تحت أوضة بابا.”
ساد الصمت.
الحاجة فاطمة قالت بسرعة:
“مفيش بدروم تحت أوضة كريم.”
لكن مريم أصرت.
“فيه… بس السجادة فوقه.”
…
رجعت الشرطة إلى الفيلا للمرة الثالثة.
دخلوا غرفة كريم.
رفعوا السجادة الكبيرة.
في البداية…
لم يظهر شيء.
لكن أحد الضباط لاحظ وجود مسمارين مختلفين عن باقي أرضية الغرفة.
استدعوا فنيًا.
وبعد دقائق…
ارتفع جزء من الأرضية ببطء.
وظهر باب خشبي مخفي.
فتحوه بحذر.
كان يؤدي إلى سلم ضيق ينزل إلى غرفة صغيرة تحت الأرض.
الغرفة كانت خالية تقريبًا…
إلا من سرير أطفال.
وكرسي.
وخزانة أدوية.
وعلى الحائط…
علامات طويلة، كأن طفلًا كان يعد الأيام.
وقف الجميع في صدمة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت داخل الخزانة.
وجدوا دفترًا صغيرًا.
ليس الدفتر الأسود…
بل دفترًا خاصًا بمريم.
في أول صفحة كتبت بخطها المتعثر:
“أنا مش مريضة… أنا بس بنام كتير.”
ثم في الصفحات التالية…
كانت ترسم كل شخص يدخل إليها.
آخر رسمة في الدفتر…
كانت لرجل طويل.
وفي إصبعه…
خاتم الأسد.
لكن هذه المرة…
رسمت وجهه كاملًا لأول مرة.
نظر الضابط إلى الرسمة، ثم قال لخبير الأدلة:
“اعملوا نسخة رقمية مكبرة للوجه.”
وقبل أن يرد الخبير…
اتسعت عينا الحاجة فاطمة فجأة.
رفعت الدفتر بيد مرتجفة، وهمست:
“أنا… أنا أعرف الراجل ده.”
التفت الجميع إليها في لحظة واحدة.
قال الضابط بسرعة:
“مين هو؟”
أغلقت الحاجة فاطمة عينيها لثوانٍ، ثم قالت:
“لو أنا صح… فالاسم الحقيقي اللي كنا بندور عليه طول الوقت… مش حسين.”
وسكتت…
دون أن تنطق بالاسم. يتبع…الحاجة فاطمة كانت بتبص للرسمة وكأنها رجعت عشرات السنين لورا.
إيديها كانت بترتعش.
الضابط قرب منها وقال بهدوء:
“حضرتك… مين الراجل ده؟”
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت:
“اسمه… عادل.”
نظر إليها الجميع في دهشة.
“عادل مين؟”
“كان مدير الحسابات في شركة جوزي الله يرحمه… وكان أكتر واحد بيثق فيه.”
الضابط فتح الملف القديم بسرعة.
“لكن مفيش اسم عادل في أي ورقة.”
هزت رأسها.
“لأنه كان بيستخدم اسم تاني… حسين.”
ساد الصمت.
يعني…
“حسين” لم يكن اسمًا حقيقيًا، بل هوية مزيفة استخدمها عادل لسنوات.
…
في نفس اللحظة، دخل خبير الأدلة وهو يحمل تقريرًا جديدًا.
“يا فندم… لقينا بصمة تانية على الدفتر.”
“لمين؟”
“لعادل.”
الحاجة فاطمة أغمضت عينيها.
“كنت حاسة…”
…
لكن قبل أن يكملوا الكلام…
رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
جاءه صوت أحد رجال المراقبة.
“يا فندم… في حد بيحاول يدخل الفيلا.”
“مين؟”
“راجل كبير في السن… واقف قدام الباب ورافع إيده.”
“قبضتوا عليه؟”
“لا يا فندم… لأنه أول ما شاف الشرطة، قال جملة واحدة.”
“قال إيه؟”
“قولوا للحاجة فاطمة… سامحتني ولا لسه؟”
تجمدت الحاجة فاطمة.
والدموع نزلت من عينيها.
همست:
“الصوت…”
نظر إليها الضابط.
“تعرفيه؟”
قالت وهي ترتجف:
“الصوت ده… صوت جوزي.”
ساد صمت ثقيل.
الضابط قال بحزم:
“ده مستحيل… زوج حضرتك متوفى من سنين.”
هزت رأسها ببطء.
“أنا عارفة… لكن نفس النبرة… نفس الطريقة.”
…
خرجت قوة الشرطة إلى بوابة الفيلا بسرعة.
لكنهم لم يجدوا الرجل.
اختفى مرة أخرى.
وكل ما تركه خلفه…
كان ظرفًا أبيض.
فتح الضابط الظرف بحذر.
وجد بداخله صورة حديثة التقطت قبل ساعات فقط.
الصورة كانت لمريم…
وهي نائمة في سرير المستشفى.
التاريخ والوقت كانا مطابقين لليلة الماضية.
يعني…
هناك شخص دخل المستشفى، وصوّر مريم، ثم خرج دون أن يراه أحد.
وقلب الضابط الصورة…
فوجد على ظهرها جملة قصيرة مكتوبة بخط اليد:
“أنتم تحرسون الباب… وأنا أعرف كل الأبواب.”
شعر الجميع بقشعريرة.
لأن الرسالة لم تكن مجرد تهديد…
بل كانت إعلانًا واضحًا أن خصمهم ما زال يسبقهم بخطوة، ويراقب كل تحركاتهم، وأن اللعبة لم تنتهِ بعد.
يتبع…بعد ساعات من التحليل، وصلت نتائج الأدلة الأخيرة.
البصمات، والرسائل، والكاميرات، والأدوية…
كلها بدأت تركب مع بعضها.
استدعى الضابط كريم إلى غرفة التحقيق للمرة الأخيرة.
كان منهارًا.
ولأول مرة منذ بداية الق\ضية، قال:
“أنا هقول الحقيقة.”
ساد الصمت.
قال بصوت مكسور:
“أنا ما كنتش عايز أؤذي مريم.”
“إذن لماذا وافقت؟”
أطرق رأسه.
“من سنتين… اكتشفت إن في مستندات قديمة عليها توقيع والدي، ولو اتنشرت كانت هتضيع كل أملاك العيلة، وهيزج بيا في السجن في ق\ضية تزوير أنا ماليش ذنب فيها.”
“ومن اللي هددك؟”
“عادل… اللي كان مستخبي باسم حسين.”
وأضاف وهو يبكي:
“كان كل مرة يطلب مني حاجة… ويقول دي آخر مرة. ولما رفضت، هدد مريم.”
الحاجة فاطمة أغمضت عينيها بألم.
لم تكن تبرر ما فعله ابنها…
لكنها فهمت أنه عاش سنوات تحت الابتزاز والخوف.
أما دينا، فاعترفت أنها كانت تظن أن الأدوية مجرد مهدئات، ولم تتخيل أن الخطة وصلت إلى حد إعلان وفاة طفلتها ودفنها وهي حية.
…
في نفس الوقت، وصلت الشرطة إلى مخزن مهجور بعد تتبع آخر إشارة لهاتف عادل.
حاصروا المكان.
وبعد دقائق، خرج رجل رافعًا يديه.
كان أكبر سنًا مما في الصور، وشعره كله أبيض.
لكن خاتم الأسد ما زال في إصبعه.
قال بهدوء:
“انتهت اللعبة.”
تم القبض عليه دون مقاومة.
وبتفتيش المكان، عثرت الشرطة على الدفتر الأسود الأصلي، وكل الملفات التي اختفت، بالإضافة إلى أختام مزورة، وشهادات وفاة وميلاد مزيفة، وسجلات تثبت أنه كوّن شبكة لتزوير الهويات والوثائق لسنوات طويلة، وكان يبتز كل من يقع في يده ليضمن صمته.
…
بعد أشهر…
أصدرت المحكمة حكمها.
حُكم على عادل بالسجن المشدد بعد إدانته بتزوير المحررات الرسمية، والابتزاز، واحتجاز طفلة، وتعريض حياتها للخطر، وغيرها من الجرائم التي كشفتها التحقيقات.
أما كريم ودينا، فحوسبا على الأفعال التي شاركا فيها، مع أخذ ظروف الإكراه والتهديد التي ثبتت في التحقيقات في الاعتبار عند تقدير مسؤوليتهما القانونية.
…
مرت سنة كاملة.
وفي أول يوم دراسة…
كانت مريم تمشي إلى المدرسة وهي تمسك يد جدتها الحاجة فاطمة.
توقفت فجأة، وابتسمت.
قالت:
“تيتا…”
“نعم يا حبيبتي؟”
“أنا مبقتش بخاف أنام.”
احتضنتها الجدة بقوة، والدموع تلمع في عينيها.
وقالت:
“خلاص يا قلب تيتا… مفيش حد هيقدر يخوفك تاني.”
رفعت مريم رأسها إلى السماء، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة لأول مرة منذ بدأت تلك الأحداث.
أما الحاجة فاطمة، فنظرت إليها وحمدت الله أن همسة صغيرة خرجت من نعش في ليلة مظلمة كانت السبب في إنقاذ حياة حفيدتها، وأن الحقيقة، مهما حاول أصحابها دفنها، لا تبقى مدفونة إلى الأبد.
تمت.